السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

249

فقه الحدود والتعزيرات

بل ، بملاحظة ما مرّ يمكن أن يقال : إنّه لا يجوز له الفحص ، والتتبّع ، وتعقيب الأمر للكشف عن الواقع . فمن فعل ذلك وحصل له العلم ، فلا تجوز له إقامة الحدّ مستنداً إلى هكذا علم . أجل ، هذا إذا كان العلم الحاصل للقاضي مستنداً إلى الحدس ولو قريباً من الحسّ ، وأمّا إذا كان مستنداً إلى الحسّ ، كأن نظر نفس الحاكم إلى من يزني ، فيمكن القول بجواز إجراء الحدّ بعلمه . ويؤيّده خبر الحسين بن خالد ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : « سمعته يقول : الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ ، ولا يحتاج إلى بيّنة مع نظره ، لأنّه أمين اللَّه في خلقه . . . » « 1 » اللهمّ إلّا أن يقال : إنّه بملاحظة الشرائط المقرّرة لإثبات الحدّ أو التعزير في الجرائم الأخلاقيّة الجنسيّة التي لا تحصل في أغلب الموارد ، وأيضاً بملاحظة السيرة المنقولة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام من الستر والتخفيف فيها ، وما علم من ديدن الشارع من عدم محبوبيّة تشييع الفاحشة والجهر بالسوء ، يظهر عدم ابتغاء الشرع المقدّس لتنفيذ الحدود بمثل تلكم الطرق ، ما عدا الإقرار والبيّنة . أضف إلى ذلك قاعدة درء الحدود بالشبهات . وكيف كان فلا يستفاد من ظاهر عبارة المحقّق رحمه الله هنا : « ويثبت الزنا بالإقرار أو البيّنة » أنّه لا يعمل بالعلم ، وذلك بقرينة ما مرّ من عبارته في كتاب القضاء ، وأيضاً بقرينة ما يأتي في هذا الكتاب في المسألة الخامسة ، حيث قال : « يجب على الحاكم إقامة حدود اللَّه تعالى بعلمه ؛ كحدّ الزنا » « 2 » ، بل ما سلكه من ذكر الطريقين المذكورين شيء كان متعارفاً بين القدماء ، ثمّ حذا حذوه المتأخّرون . ثمّ إنّه على فرض حجّيّة علم القاضي في الجرائم الجنسيّة ، توجد هنا مسائل جديدة ؛

--> ( 1 ) - نفس المصدر ، الباب 32 منها ، ح 3 ، صص 57 و 58 . ( 2 ) - شرائع الإسلام ، ج 4 ، ص 145 .